السبت، 5 يوليو، 2008

مقال فيروز كراوية أيمن نور وتامر حسنى


ايمن نور وتامر حسنى
كتبت فيروز كراوية
فى وقت متقارب صدر حكم القضاء بحبس الدكتور والمحامى وعضو البرلمان السابق ورئيس حزب الغد أيمن نور خمس سنوات فى تهمة جنائية مخلة بالشرف وصدر أيضا حكم القضاء بالحبس سنة كاملة مع إيقاف التنفيذ على المطرب تامر حسنى فى تهمة أيضا مخلة بالشرف "الوطنى" إن شئنا أن نسميها. أما أيمن فقد قام بتزوير التوكيلات المؤسسة لحزبه كما قام أيضا بالترشيح لأول إنتخابات رئاسية فى تاريخ مصر وإمعانا فى الفوضى قام بالترشيح للإنتخابات البرلمانية التالية لها، وكتب فى الصحف منوها عن فساد وتوريث وطعن فى جدارة رئيس الجمهورية وظهر فى الشوارع وعلى القنوات الفضائية ليعلن على كل العالم أن مصر فى حال يرثى لها وأنه يريد تغيير كل شىء. وأما تامر فقد زور إعفاءه من التجنيد فى جيش مصر وأصدر ثلاثة ألبومات غنائية نجح الأخير منها بالذات (الذى صدر صباح إعلان تهمة التزوير) نجاحا مدويا وقام ببطولة فيلمى سينما نجحا أيضا بصورة لابأس بها وأصبح نجما محبوبا لعدد ضخم من شباب مصر الذى اندفع للمحكمة فى يوم محاكمته يعلن المساندة والإحتجاج. وبينما يصعب أن نتحقق من مصداقية الأحكام القضائية أو نخضعها للقبول والرفض نستطيع أن نرصد ملابساتها والمواقف الدالة المحيطة بها والتأثير الإجتماعى الذى تحدثه. ويحق لنا عندئذ أن نتساءل: هل كانت جريمة أيمن نور أقل جاذبية بكثير حتى لاتستطيع أن تحظى إلا بإهتمام المثقفين والصحفيين وأمثاله من المعارضين السياسيين بينما يحضر محاكمة تامر حسنى عدد كبير من شباب الشارع المصرى الذى إقتطع من وقته ودخل المحكمة ربما لأول مرة فى حياته (بما يمكن أن يسببه ذلك من هلع لنا كشعب غير معتاد على الإنتخابات ولا المحاكمات ولا المظاهرات...) معبرا عن مساندة تلقائية حقيقية ليست بدافع الواجب المهنى ولا الزمالة السياسية ولا الإنتفاع والمصلحة؟
قد تبدو المقارنة غريبة وغير ملائمة لمن يرى أن المجالين منفصلين ولا يجوز دمجهما، ويرى أيضا أن لكل جمهوره وأصحاب المصلحة من ورائه. ولكن الربط والمقارنة هنا نابعة بالأساس من تلقى الناس وليس من طبيعة المجالين أو القضيتين. ببساطة، بماذا يهتم الناس؟ ولماذا يهتم الناس بقضية ذات صدى إعلامى ويتركون قضية ذات صدى إعلامى ربما أكبر؟ لماذا يتحرك الناس (ولا نقصد بالتأكيد أن هناك ثورة شعبية قامت لمساندة تامر حسنى ولكن نركز على الطبيعة المختلفة للجمهور فى كل قضية) من أجل نجم الغناء الذى إرتكب جريمة كانت لوقت قريب تضاهى الخيانة الوطنية ولا يتحركون حتى بدافع الفضول من أجل الرجل الذى أثار كل هذه الزوبعة من حوله ملوحا ببطولة وطنية ما؟
تتبادر إلى الذهن عدة إجابات سريعة منها مثلا أننا نعيش عصر النجم الذى لا يهم إن كان يقدم صورة إيجابية من عدمه، بل ربما تجذب أحيانا أفعاله السلبية جمهورا أكبر كونها تستقبل كأفعال تمردية على القوانين الجامدة (هنا فى حالة تامر يمكن تطبيق ذلك على إنهيار صورة الدولة والشعور العام بالنفاق الكامل فى خطابها الوطنى الذى لايستحق بالتالى أن يهدر نجم مهم سنة ونصف من عمره الثمين فى أسر التجنيد). ومنها أننا شعب فقد إهتمامه بالأحداث السياسية من حوله مهما كان ما نتخيله من حراك يحدث على مستوى فوقى ولا يجذب إلا قوى سياسية فى طور التكوين أو قوى ترى أن الوقت قد حان لتستعيد دورا أو تنسق وتتفاوض وتحصل على نصيب من الكعكة التى يمهد لإعادة تقسيمها. وبالتالى تصبح قضية أيمن نور قضية لاتهم إلا أصحاب المصالح المباشرة من التغيير والتبديل فى النخبة السياسية (بصفته واحدا منها) ولا يمكن ربط ذلك بالضرورة بأى مصلحة مباشرة تعود على رجل الشارع المتخاصم مع السياسة ولا يعطى أذنه ولاعقله ولا وقته لمشاهدة (ما بالك بالمشاركة؟!..) حراكها ولا صراعاتها. وفى هذا السياق يمكن أن نفهم الإنجذاب الطبيعى نحو نوعية واحدة من الفنون المسلية التى تحقق متعة وقتية صغيرة لاتعنى بترك أثرا واسعا ولا طرح أسئلة مؤرقة (ولا بالطبع الدخول فى مناطق مغلقة) بقدر ما تهتم بالإثارة والإبهار وغزارة الإنتاج الذى يلغى الحديث منه القديم. ويصبح نجوم هذا الفن أكثر جماهيرية من كل النجوم الآخرين من الفنانين حتى أو السياسيين أو العلماء أو المفكرين... ربما لأنهم النجوم المعترفون من البداية بأنهم لايريدون من المتلقى شيئا إلا أمواله مقابل متعته، فى النهاية هذه الطلبات بريئة لا تكلف الجمهور جهدا ذهنيا (وهو المرهق طول الوقت) ولا تعرضه للإعتقال أو قطع الرزق أو منغصات الحكومة (بكل وطأة أجهزتها) على صغار المعارضين. ويكون نجوم هذا الفن بالتالى الأكثر براءة وربما سذاجة فى نظر الجمهور، القابلين للإنخداع على يد رفاق السوء والشيطان على حد سواء (الطريقة الشائعة فى تبرير كل ممارساتهم المتدنية إذا إنكشفت على المجتمع). وبينما ينشأ أحيانا تعاطف مشوب بالشك والحذر مع كل المعارضين الذين يحاولون النزول للشارع ومخاطبة الناس ينشأ تعاطف مجرد من أى حكم عقلانى مع النجوم حتى إذا أجرموا وقصروا فى واجبات وطنية أو أخلاقية فقط لأنهم تماما مثل أولادنا من الشباب لايريدون شيئا ولا يفهمون شيئا ولا يحرضون على أى شىء بحيث يسهل التغرير بهم على عكس السياسى والمثقف الذى يعرف كل شىء ويحاور ويناور ويصبح خطؤه فى مقام الكفر والخيانة وبالطبع العمالة.
ومع صلاحية كل هذه التفسيرات التى تتبنى وجهة نظر الناس قليلا ووجهة نظر النخبة بالقدر الأساسى يمكن أن نرد بحجج عكسية منها أن الإهتمام بنجوم الفن عموما كان أكبر على مدى العصر الحديث (نظرا للتغطية الإعلامية الكثيفة التى تقرب الفنان من الناس وإستعمال الدولة للفنانين والفن والجوانب النفسية الداخلية والأسطورية التى يتعامل معها الفن بصور تناول مختلفة) ولم يعن هذا بالضرورة الإنصراف التام عن الممارسة السياسية أو التعرف بنجوم متعددين فى مجالات الحياة والإبداع المختلفة فى كل بلاد العالم ومنها مصر. ويمكن أيضا أن نشير إلى أن القمع السياسى الواضح الذى تعرض له كل مواطن عربى بأساليب متنوعة ومتعددة خلال العقود الخمسين الماضية هو بالفعل ظاهرة طاغية لايحق الإستهانة بما أنتجته من خوف وسلب عميق فى نفوس الناس ويعنى ذلك أن نحترم رد الفعل البطىء الذى يتكون برغم كل هذا تجاه الحراك السياسى الآخذ فى النمو، ويعنى أيضا أن التعبير عن الإهتمام بالسياسة قد بدأ بالفعل ويمكن الإستدلال عليه بالزيادة الرهيبة فى عدد البرامج الإخبارية والحوارية السياسية والبرامج التى تناقش وتحقق حول قضايا إجتماعية ودينية ونشاط الصحف المستقلة فى تعرية فضائح وفساد بشكل غير مسبوق وهى بالطبع تقوم على تلبية إحتياجات متلقى يستهلكها ويطلبها. ولكن لاتستطيع هذه المبررات على قوتها إقناعى بالتغاضى عن الظاهرة الكامنة وراء مشهد القضيتين الفج. لأن المشهد ينطوى على إهدار قيمى يحدث لأول مرة (وهو القبول بالهروب من التجنيد على المستوى الرسمى- حكم القضاء- ومستوى الرأى العام) وعلى الصمت التام حيال سحق مشروع بطل سياسى إحتل مخيلة الناس لفترة قصيرة بمنتهى التعسف والإصرار على التعسف. ولأن المشهد يعلن بوضوح أن الخيال الشعبى لم يعد يحتاج أو يطالب ببطل يغير ويعارض ويناضل بل يطالب بنجم مهادن عادى بل أقل من العادى متواضع الإمكانيات عظيم الطموحات (غالبا يريد الوصول للعالمية). وهنا يهمنى الإستطراد فى تتبع كيف نستخدم الخيال وأى دور يلعبه فى تشكيل ذهننا وتحديد إختياراتنا.
والخيال المقصود هو قناة حية موازية مستمرة بإستمرار الواقع. تنشأ منذ الميلاد كذاكرة سمعية وبصرية وذهنية تختزن عديد من الخبرات الإيجابية والسلبية المقموعة التى لاتجد مساحة لممارستها فى الواقع إما لإستحالة عملية أو إجتماعية قيمية. ويستمر الخيال فى النمو كبديل أوسع للواقع يستوعب إمكانياته ومعوقاته ويتغلب عليها فى عالم داخلى نشيط طول الوقت. الخيال هو ممارسة نشطة بمعنى أنه يختلف عن الأحلام مثلا التى تحدث رغما عنا عند النوم أو اليقظة. إننا نختار أن نتخيل. نتخيل لأننا نريد إيجاد بدائل إيجابية للواقع أو نريد التحايل على ممنوعاته. وفى الحالتين هناك قنوات تصل الخيال بالواقع. فمثلا ممارسة الفنون هى طريقة لنقل ما يحدث فى الخيال ومشاركته مع جمهور أوسع لإحداث جدل فى الواقع. وهناك عدد لانهائى من الإختراعات العلمية التى بدأت كأفكار خيالية للتغلب على صعوبات فى الواقع. وبالمثل ألهم الخيال الأفراد والمجتمعات بعدد لانهائى من الأفكار التى تسعى لتدمير وتكسير ونسف الواقع كبديل آخر. وعندما نرصد الإرهاب العالمى فى هذه اللحظة (كظاهرة متجاوزة للخطابات السياسية والدينية تنطوى على قدر ضخم من الحنق والرغبة الإنتقامية الغير مرتبطة بالضرورة بحدث بعينه بل ربما بكل الظلم فى التاريخ البشرى الحديث) يمكن أن نرى كيف أنتج الخيال هذا البديل الكارثى لحالة القمع والفقر والإستهلاك والإنسحاق للآدمية. وهنا نعتقد أن الخيال قد أصبح قادرا على إستخدام إمكانيات الواقع لصالحه تماما وبسرعة دون المرور بقنوات الإتصال التى تهذبه وتورطه فى البحث عن حلول إيجابية وأكثر إنتصارا للحياة. كيف تغيرت أساليب ممارسة الخيال وكيف أصبح تحقيق الخيال أكثر سهولة هو ما يجعل الإلتفات لدوره الأكثر خطورة واجبا. وإذا كان الخيال فرديا ومجتمعيا مستخدما نتاجات العصر قد أنتج الإرهاب مقاومة عنيفة إنتحارية إنسحابية لعدم التحقق و صراع الهوية وإستحالة الإمكانيات للحياة الكريمة فماذا يفعل الليسو إرهابيون؟..
ماذا يفعل باقى أفراد المجتمع الذين ينسحقون تحت نفس الظروف التى تمر بها معظم بلدان العالم ولم يختار خيالهم الإرهاب بعد؟ ماذا يمكن أن يفعل المصريون المحرومون أفرادا ومجتمع من المشاركة فى طرح بدائل تفصيلية أو عامة لتغيير الواقع؟ الممنوعون من السياسة، المحرومون من التعليم، الذين لاتصلهم أى معلومات، ولا عرض عليهم ممارسة الفنون، ولا يعرفون ما هو إتحاد الطلبة، ولا يجدون وظائف، وأحيانا يملكون شققا وسيارات قبل الإنخراط فى أى عمل، ولا يسافرون، ولا يعرفون عن علاقات الحب إلا "تعليق" البنات ورسائل المحمول وقهرالزوجات والتحايل على الأزواج، ولا يحبون القراءة ولا الرياضة، ويتنفسون العادم ولا ينتجون إلا طرق إحتراف الكسل على حساب من هم أفقر وأضعف. كيف يمكن أن يشتغل خيال كل هؤلاء إذا إفترضنا أن الخيال لابد وأن يكون موجودا؟
فى مجتمعاتنا التى لم تجن من الحداثة إلا ما إستوردته من سلع وقشور قيم، ولم تجن من العولمة إلا قتلة وقتلى الإرهاب، يشتغل الخيال لمن ليسو إرهابيين بنشاط وبكامل الإرادة على النفى. نفى الذات والمجتمع. يصبح الخيال ممارسة صوفية هروبية ضرورية للنسيان. حتى نستطيع أن ننسى كيف يتم إلغاءنا من الصورة وكأننا غير موجودين ولم نكن أصلا. نتخيل عالم جميل من البيوت الفاخرة والحبيبات الفاتنات والمناصب الهامة (كل المطربين والممثلين يظهرون فى دور أو مظهر رجال الأعمال فى كثير من أعمالهم) والشوارع البراقة والمشاكل المحلولة حتى قبل أن تظهر. ونتخيل أن تامر حسنى ولد برىء يصلى الفرض بفرضه ويمرح مع أصدقائه بخفة دم، ونتخيل حلا شيحه بنت كانت تحمل الإيمان فى قلبها طول الوقت توجت رحلتها بالحجاب وصارت تجيب بحاستها الربانية الفريدة- بالنيابة عنا- كل الأسئلة التى لم يطالبنا أحد بطرحها أو التفكير فيها. ويستقر فى وجداننا وعقولنا أن الحياة خير وشر، أبيض وأسود، محجبة ومرتدة، علمانى ومتدين، كافر ومؤمن لأن الخيال لم يتدرب على خلق التنويعات ومساءلة المسلمات وإيجاد حلول مبدعة للتناقضات. هكذا يحل النجم الفنان (المتخيل) أزمة الخيال. إذ يوفر لخيالنا مجالا للعمل ويوفر ملاذا لكل من لا يستطيع أو يريد (أو تحميه الرفاهية المادية) أن يكون إرهابيا. لذلك نتحرك جميعا لنساند براءة تامر حسنى الداخلية قبل الجنائية، ونبارك عودة حنان ترك وحلا شيحة لديار الإيمان الذى نعرفه فقط كقيمة مجردة كاملة مطلقة. صنع لنا النجوم تدينا وهميا كى نقتنع أننا مؤمنون صالحون ، كى ننسى فسادنا فى كل مجال وسقم أرواحنا ونطمئن لوجود الدين فى حياتهم وبالتالى حياتنا. وصنعوا لنا على نفس المنوال حلولا جميلة وأساليب حياة "روشة" وسلع نلهث لنحصل عليها ومشاعر ساذجة ودائما طيبة تغنينا عن كل ما يغلى حولنا من عنف وقسوة. إننا نساند من يحافظون على نسياننا ويعفوننا من المسئولية والذين لو إكتشفنا أن كمالهم وجمالهم أوهام ورقية شكلية نصبح فى مواجهة مع هشاشة وجودنا وتفاهة أدوارنا. إننا ندافع بضراوة عمن يحمون حصن النسيان ويدعمونه، وحتى إذا كنا نعرف من الداخل أننا نخدع أنفسنا وأن هناك بديل آخر، فالمراهنة على نجم من نوع حقيقى هو الإختيار الأشق لأنه يتطلب بعث الخيال وإعادة حفزه وتوجيهه. هذه هى الورقة الأخيرة فى يد من يبحث عن التغيير..

ليست هناك تعليقات:

بسم الله الرحمن الرحيم

أحبائى الكرام أهلاً ومرحباً بكم قدمت هذه المدونة لتكون أشعارى وقصائدى بين أياديكم وكتاباتى المتنوعة متمنياً أن تنال رضاكم وارجوكم موافاتى بتعليقاتكم وآراءكم ولنجعلها جسراً للتواصل بينى وبينكم فأنا منكم وبكم .. مع الشكر وخالص تحياتى وتقديرى لكم جميعاً








أذكر الله العلى العظيم

أذكر الله العلى العظيم
خالد محمدأسامة

أذكرالله العلى العظيم

أذكرالله العلى العظيم
عمرمحمدأسامة

فنار بورسعيد

فنار بورسعيد
فنار بورسعيد القديم حجبته الأبنية العالية حالياً

بحر الكنال

بحر الكنال
مدخل بورسعيد لقناة السويس

أهلا ومرحبـــا بكم بمدينتى الغالية بورسعيد الباسلة

بورسعيد نغم الموج وسلك السمسمية

الأستماع لأحد الشعراء

الصديق عادل منسى متحدثاً

من ندوة شروق

من ندوة شروق

مع الشاعر عبد الناصرحجازى

خريطة القناة

للبحر لغات يتقنها البورسعيدية

أمسية شعرية

أمسية شعرية
لقطات لندوة صالون شروق